الاثنين، 6 يوليو، 2009

الإخوان المسلمون والسلطة‮ (عن الوفد) ‬

الإخوان المسلمون والسلطة‮ (عن الوفد) ‬
د. عمرو الشوبكي

جاء اعتقال القيادي الإصلاحي داخل جماعة الإخوان المسلمين عبد المنعم أبوالفتوح،‮ ‬ليعلن عن استمرار المواجهة الأمنية بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين،‮ ‬فالأول اختار الحل الأمني كما يفعل مع مشكلات مصر،‮ ‬أما الثاني فقد تمسك بثبات يحسد عليه بكل الأسس الفكرية التي أبقته كجماعة دينية وسياسية‮ ‬غير مرحب بها في الحياة السياسية المصرية طوال العهد الجمهوري وجانب من العهد الملكي‮. ‬ ورغم أن الحل الأمني لا يمكن اعتباره حلا لأي نوع من المشاكل السياسية،‮ ‬فما بالنا إذا كان مع تيار يمارس العمل السياسي،‮ ‬ولدية‮ ‬88‮ ‬‭ ‬نائبًا في البرلمان،‮ ‬ووجود مؤثر في عدد كبير من النقابات المهنية والاتحادات الطلابية‮.‬ والمؤكد أن هذا الانتشار الهائل‮ »‬لإخوان حسن البنا‮« ‬يتحمل مسئوليته‮ »‬إخوان الحزب الوطني‮« ‬الذين بفضلهم سيطر جناحا الإخوان علي الحياة الثقافية والفكرية‮ ‬في مصر،‮ ‬فالعالم ينظر إليه من باب من هم المسلمون ومن هم الكفار،‮ ‬والفتاوي الدينية هي المدخل الوحيد‮ ‬للتعامل مع أي مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية تواجهها البلاد،‮ ‬وترك المجتمع عرضة لكل صور النشاط الديني مهما كان انغلاقه وتخلفه لينهش في عقول الناس طالما لا يتحدث في السياسة‮.‬ والمؤكد أن الإخوان جزء من المشهد السياسي المصري منذ أكثر من‮ ‬80‮ ‬عاما وتحديدا منذ أن أسس الراحل حسن البنا الجماعة عام‮ ‬1928،‮ ‬والمفارقة أن الإخوان طوال فترة الثلاثينيات والأربعينيات لم يكن لهم نائب واحد في البرلمان رغم أنهم حاولوا خوض الانتخابات مرتين وفشلوا‮.‬ ورغم أنه حدثت مواجهات أمنية بين النظام والإخوان،‮ ‬إلا أن الفارق بين ما جري في ذلك العهد وما يحدث حاليا،‮ ‬يتمثل في وجود مشروع سياسي لحزب الوفد نجح في إلهام الطبقة الوسطي،‮ ‬وطرح أفكار سياسية ليبرالية أثرت في الشارع المصري رغم أنها لم تكن محل إجماع ولكنها فتحت أمامه أفقًا لممارسة العمل السياسي الحقيقي‮.‬ ونفس الأمر ينسحب علي ثورة يوليو فرغم قسوة المواجهات التي جرت في عهد عبد الناصر مع الإخوان،‮ ‬إلا أن الرجل امتلك بدوره مشروعا ملهما نجح في استقطاب قطاع واسع من الشارعين العربي والمصري خلف شعاراته،‮ ‬وتكرر الأمر بصورة مختلفة مع الرئيس السادات الذي كانت لديه رؤية سياسية متكاملة قامت علي تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بالطرق السلمية ونجح في استعادة سيناء وطبق سياسة الانفتاح الاقتصادي والتحول نحو نظام السوق الرأسمالي،‮ ‬وكان له مؤيدون ومعارضون وظل محل جدل سياسي حاد شغل مصر والعالم العربي‮.‬ وقد تغير الوضع في الـ‮ ‬30‮ ‬عاما الأخيرة حين تركت مصر لقدرها تحل مشاكلها يومًا بيوم،‮ ‬دون أي مشروع سياسي،‮ ‬فلا هي أصبحت دولة اعتدال حقيقية مثل تركيا أقامت دولة ديمقراطية ودستورًا مدنىًا،‮ ‬ولا هي أصبحت دولة ممانعة جادة مثل إيران‮ (‬رغم أننا نهتف ضد أمريكا وإسرائيل بصخب أكبر من إيران‮)‬،‮ ‬وحين تغيب السياسة فإن دخول الإخوان لملء هذا الفراغ‮ ‬يصبح بديهيا خاصة أن من ساعدهم علي ذلك هم‮ »‬إخوان الحزب الوطني‮« ‬الذين اتفقوا معهم في نفس الفهم الديني للأمور الاجتماعية والثقافية،‮ ‬واختلفوا معهم حين تحدث إخوان حسن البنا في السياسة بل ومارسوها لأن المطلوب منهم أن يظل نشاطهم عند حدود الفتاوي الدينية والنشاط الدعوي‮.‬ والمؤكد أن الإخوان هم الوجه الآخر لأزمة النظام السياسي المصري أو بالأحري هم‮ »‬عرض المرض‮«‬،‮ ‬فانتشارهم دليل علي حجم الوهن الذي أصاب المجتمع المصري،‮ ‬دون وعي بأن تطبيق برنامج الإخوان أو وصولهم للسلطة وهم بحالتهم الحالية سيعني كارثة حقيقية علي البلاد تزيد أوضاعها السيئة سوءا‮. ‬ فالخلل التاريخي في بنية الجامعة يكمن في أنها جماعة تفضل أن تظل في المعارضة وليست جماعة حكم،‮ ‬بكل ما يمثله ذلك من تحديات ومعان،‮ ‬فعنصر الإخوان الذي رباه الإمام حسن البنا أحيانا علي المبادئ والقيم الدينية من الوارد أن يبقي في ظلال هذه المبادئ،‮ ‬طالما بقي في المعارضة،‮ ‬ولكنها لن تؤثر فيه كثيرا في حال إذا وصل إلي السلطة،‮ ‬بما تمثله من‮ »‬غواية‮« ‬وبريق وسطوة،‮ ‬فلا يمكن أن يكون للعامل الديني أو الأخلاقي الدور الوحيد أو الأساسي في الحفاظ علي نزاهة الحكام،‮ ‬إنما في وجود نظام ديمقراطي قادر علي القيام برقابة قانونية ودستورية علي عمل السلطة القائمة‮.‬ إن علاقة الإخوان المعقدة بالسلطة تتجاوز مسألة المواجهات الأمنية السائدة حاليا،‮ ‬لتصل إلي معضلة أعمق،‮ ‬تتعلق بكونهم قادمين من خارج تراث الدولة المدنية المصرية،‮ ‬والنظام الجمهوري،‮ ‬بل كانوا نقيضًا له في كثير من الفترات،‮ ‬بل إن تاريخ الحركة الوطنية المصرية في الثلاثينيات والأربعينيات كان الإخوان خارجه،‮ ‬وتاريخ عصر التحرر الوطني والقومي في الخمسينيات والستينيات كانوا متصارعين معه‮. ‬ والمؤكد أن هذه مشكلة عميقة وممتدة في كل الساحة العربية،‮ ‬فحماس هي خارج تراث حركة التحرر الوطني الفلسطيني متمثلة بمنظمة التحرير ولا بد أن تجد صيغة للاندماج فيها بالمعني الفكري قبل السياسي،‮ ‬والإخوان المسلمون كانوا خصوما أشداء لعبد الناصر،‮ ‬ولكن لا يجب أن يكونوا خصوما للنظام الجمهوري ولا الدستور المدني ولا لخطاب التحرر الوطني الذي أعادوا إنتاجه في قالب‮ »‬إسلامي‮« ‬وبصورة أكثر رجعية وانغلاقا مما كان عليه في الستينيات‮. ‬ لقد فشل الإخوان في أن يصبحوا تيارا إصلاحىًا،‮ ‬رغم أنه سنحت لهم فرص كثيرة منذ بداية الألفية الثالثة،‮ ‬ولكنهم اختاروا الحفاظ علي وحدة الجماعة والأفكار الدينية المغلقة والتمييز بحق المرأة والأقباط،‮ ‬وبالتالي لن يكونوا طرفا في أي معادلة إصلاحية قادمة،‮ ‬بل من المؤكد أنهم بحالتهم الحالية سيكونون عبئا عليها،‮ ‬ولكن في حال بدأت مصر مشروعا إصلاحيا وديمقراطيا جديدا‮ (‬وبدونهم‮)‬،‮ ‬فإنه لن يستطيع تجاهل مشكلة الإخوان،‮ ‬ويجب أن يعمل علي إحداث‮ »‬دمج آمن‮« ‬لهم في العملية السياسية بشرط فصل الجماعة الدعوية عن الحزب السياسي واحترام الدستور المدني والدولة الوطنية والنظام الجمهوري،‮ ‬وتلك عملية جراحية صعبة مازال الإخوان‮ ‬غير قادرين عليها،‮ ‬ولكن لا بديل عنها لإغلاق ملف‮ »‬الجماعة المحظورة‮«.

ليست هناك تعليقات: