الجمعة، 19 ديسمبر 2008

ذكرياتي في فرنسا


فرنسا من أحب الدول الي قلبي، بل هي أحب دولة الي قلبي بعد مصر. فلغتي الثانية فرنسية، وثقافتي التعليمية هي ثقافة فرنسية وادين بمستوى التعليم المتفوق الذي نشأت فيه للدولة الفرنسية والتي كانت تدعم المدارس الفرنسية في مصر (لا أعرف اذا كان ذلك الدعم مازال قائم ام تلاشى).

زرت فرنسا عدة مرات منذ بداية التسعينات. أول مرة اصل فيها الي فرنسا كنت مشدوهاً بأني سأرى كل ما درسته في المدرسة وما قرأته في الكتب عن برج أيفل، الحي اللاتيني، كاتدرائية نوتردام، واحدث الأنجازات التي كنت شاهدتها في معرض متخصص قبل السفر وهو حي الدفاع La Defense.





الزيارة الآولى كانت عام 1991 بالطريق البري من بلجيكا حيث كنت أقيم، وكانت زيارة قصيرة و سياحية و احسست فيها بعظمة فرنسا. كانت تلك الزيارة زيارة سياحية بحته. اخذنا الجولة السياحية بنهر السين وشرحت لنا المرشدة السياحية ان هناك عصراً معمارياً أتى تالياً للحملة الفرنسية على مصر يسمى بالعصر المعماري النابليوني المصري وتتميز المباني فيه بإحتواءها على تماثيل مصغرة لأبو الهول او رأس أبوالهول في زخرفة المبنى نفسه. ولكني لم ادرك مدى ولع الفرنسيين بالحضارة المصرية الا عند زيارتي لمتحف اللوفر ومشاهدتي للهرم الزجاجي المستوحى من الحضارة المصرية والقسم الخاص بالحضارة المصرية والذي يضم اثاراً في منتهى الروعة لا يضاهيه في ذلك الا قسم المصريات في المتحف البريطاني. اليوم الثاني كانت زيارة كاتدرائية نوتردام والحي اللاتيني وبرج أيفل. في اليوم الثالث قمت بزيارة مركز جورج بومبيدو Centre George Pompidou وهو عبارة عن مركز ثقافي عام ذو طراز معماري فريد يشبه المصنع من الخارج مثله في ذلك مثل مبنى شركة اللويدز في لندن، وتصميم داخلي في منتهى الروعة. اختتمت زياراتي بزيارة حي الدفاع وهو ضاحية خارج باريس ينبغي للوصول اليها استخدام المترو الإقليمي RER والذي يقطع مسافات طويلة وكانت تلك المرة الأولى التي اشاهد فيها هايبر ماركت كارفور والذي يبيع كل شيء حتى الإجهزة الأليكترونية وكان ذلك مفاجأة بالنسبة لي إذ لم يكن هناك ما يماثله في ذلك الوقت.

الزيارة الثانية كانت في اخر عام 1993 وذهبت هناك للعمل والإقامة في باريس حيث كنت أقيم في المجاورة الخامسة عشر 15eme Arrondissement في احد الفنادق ثلاثة نجوم مملوك لأسرة مغربية.








برغم اتقاني للفرنسية واندماجي بسهولة في المجتمع الفرنسي، وعملي في مؤسسة تخصصة في مجالي هناك، الا انني لم استسيغ الحياة في فرنسا كثيراً. الوحدة تقلب كل شيء جميل الي شعور سيء.

وانا لم أقيم فترة طويلة بما يكفي لإقامة صداقات. بيئة العمل هناك كانت رائعة بدءاً من العمل بأحدث تقنيات ذلك العصر على أجهزة صن مايكروسيستمز وبرامج المحاكاة الرقمية، وأستراحة الغذاء في المطعم المجمع للمبنى الأداري، وروح العمل، وطبعاً الزميلات الحسناوات ومستوى المنتجات المختلف تماماً عن تلك التي كنا ننتجها في مصر. كانت المضيفة المغربية في المطعم تعاملني من طرف مناخيرها ومرة قالت لي انهم في المغرب كانوا يشاهدون الأفلام المصرية فتخيلوا ان المصريين كلهم متحضرين ولكنها صدمت عندما تعاملت مع المصريين في فرنسا!

من الأشياء التي ينبغي التوقف عندها في تلك الأيام استخدام "الميني تل" وهي وسيلة تشبه الأنترنت حالياً ولكنها كانت في فرنسا قبل الأنترنت ويتكون من جهاز يتصل بالتليفون وله شاشة صغيرة 7" فيما أتذكر وله لوحة مفاتيح صغيرة للبحث والأستعلام.

أعجبت كثيراً بسلسلة محال الفناك fnac خاصة الأدوات المكتبية والأليكترونية هناك وفيها الكثير من الأبداع وهو التي يستخدمها الطلاب لشراء مستلزماتهم وهي تشبه مع الفارق طبعاً جمعية كلية الهندسة جامعة القاهرة زمان.

كنت على ميزانية ضعيفة لذلك كنت أكل في مطاعم الجامعة Restaurant Universitaire رغم ان الأكل لم يكن في معظمه يعجبني ولكن الأكل اذواق. اكثر الأكل الذي كان يعجبني هناك هو الفطائر Crepe وخاصة تلك التي يقوم بعملها المهاجرين الفيتناميين في العربات في الشوارع. تغير هذا الوضع تماماً في اخر زيارة لي في احد مؤتمرات المركز القومي للبحوث (الفرنسي) حيث كنت مدعواً وبالتالي كان الأكل مع اناس مهمين طول الوقت! فهناك زجاجة نبيذ قبل الأكل، ثم اخرى بعده!! برغم اني لا أستسيغ الكحول عموماً الا انه من الصعب مقاومة النبيذ الفرنسي :)

من أول الصدمات الحضارية لي كانت عندما شاهدت شارع كليبر Avenue Kléber في الشانزليزيه! فهذا القائد الذي نسمي شارع بأسم قاتله "سليمان الحلبي" في مصر، ونعتبره مستعمراً، يفرد له الفرنسيون شارعاً بأسمه! وتعلمت يومها أول درس في انه لا توجد حقيقة مطلقة! وتعلمت الكثير من ذلك اثناء اقامتي بالولايات المتحدة لاحقاً.

في يوم من الأيام اثناء عودتي من العمل، لم أصدق نفسي! فقد وجدت الناس متشعلقة على سلالم الأتوبيسات النقل العام زي القاهرة تمام! ولما وصلت محطة المترو عرفت!! كان فيه اضراب في المترو، وإضراب المترو معناه الشلل التام في باريس لأن معظم الناس تعتمد عليه في تنقلاتها.

من الأشياء الطريفة، انه تصادف اثناء أقامتي في باريس ان قامت مظاهرات عن مرض الأيدز ورأيت مسلة ميدان الكونكورد و هي تلبس واقي ذكري "كوندم" ضخم واعتقد ان ذلك كان ضمن حملة توعية للجنس الآمن انذاك لأن المشكلة ايامها ان الناس خاصة الشواذ، كانوا لا يريدون توخي الحذر اثناء الممارسة الجنسية مما ادى الي تفاقم المرض في ذلك الوقت.

من الصدمات ايضاً ايامها اثناء التسوق في شارع الشانزلزيه و رؤية العديد من المحلات التي تضع علامة التأييد للمرشح اليميني LePen، ويمكن الفرنسيين معهم بعض الحق في الحنق على المهاجرين، فأي شخص يذهب الي حي "بل فيل" ويرى المستوى المتدني للخدمات والأمن في ذلك الحي الذي يقطنه الكثير من المهاجرين خاصة العرب، كما اتذكر صلاة الجمعة ايامها وكيف اني صدمت لرؤية شارع مغلق بالمصليين وكأننا في القاهرة والسيارات لاتستطيع المرور!

رغم اني زرت فرنسا بعد ذلك الا ان زكريات ايام الأقامة فيها تختلف عن السياحة وحضور المؤتمرات حيث لا تتاح لك الفرصة لمشاهدة البلد على الحقيقة.

هناك تعليقان (2):

Ihab يقول...

أنا شخصيا بعد عدة زيارات لفرنسا و بعد اللى شفته فى الجزويت قررت منذ عام 1986 اننى عمرى ما حازور فرنسا و ده على الأغلب بسبب كثرة المغاربة فيها و العرب عموما أنا أعرف مدرسين لغة فرنسية أخذوا صدمة عنيفة بعد أول زيارة لفرنسا ...مش هى دى باريس اللى قرأنا عنها فى الكتب بتاعة سور الأزبكية ... المدنية الرهيبة و المادية البحتة سلبت العاصمة الفرنسية طابعها اللى مكتوب فى روايات فيكتور هوجو ...بصراحة ألمانيا أرقى بكتير مع كل الاحترام لثقافة فرنسا و جهادها ضد النازية و محاولاتها المستميتة لتوحيد أوروبا منذ اتحاد الفحم و الحديد الأوروبى 1951 و خلافها العميق مع أمريكا انما كثرة المهاجرين يعنى ضياع الهوية و فرنسا و انجلترا أكثر الدول اللى استسلمت لضياع الهوية فى سبيل حقوق الانسان ...كمية أفارقة و عرب غريبة يا ريتها ترجع لأيام الحرب العالمية الثانية حيث لا أعتقد أن النازيين كان من أهدافهم احتلال استيطانى زى اللى بيحصل الأن
الميزة الوحيدة فى باريس هى المبانى القديمة و ده بسبب انها لم تقصف جوا و لم تدر فيها معارك شوارع زى برلين مثلا لكن أيضا قدم المبانى يعطى احساس بالكأبة نوعا ما ...على أى حال أتمنى زيارة باريس قريبا 23 سنة يكفوا لفتح صفحة جديدة مع فرنسا !!!!!!

Nah·det Masr يقول...

عزيزي أيهاب، شكراً على التعليق، وانا متفق تماماً مع كل ما تقول، وزيارة سريعة لأي منطقة في المانيا او حتى هولندا تبين انه فيه تفوق كبير على فرنسا -يمكن ناتج من ان معظم المانيا إعيد بناءها من جديد- وبرضه بأتفق معاك في ان المهاجرين سلبوا هوية وحضارة فرنسا الي حد ما، ولكن تظل الذكريات الجميلة خاصة في الأماكن اللي درسناها في المدرسة.