الاثنين، 9 يونيو، 2008

لا تكسروا مصر


لا تكسروا مصر (عن المصري اليوم)
بقلم د. يحيي الجمل ٩/٦/٢٠٠٨

لا التخلف السياسي ولا الفساد ولا البيروقراطية العفنة المتكلسة - وكلها تعاني منها مصر إلي أبعد المدي - كل ذلك ليس بقادر علي أن يكسر مصر ويقصم ظهرها، شيء واحد إذا حدث - لا قدر الله - قادر علي أن يكسر مصر، تلكم هي الفتنة الطائفية والصدامات الدينية.
وبين وقت وآخر يظهر هذا الداء الوبيل علي جسد مصر، فيبدو كالقروح المتقيحة، وأخشي ما أخشاه أن يكون هناك مخطط خبيث لكسر مصر، ولن يجد ذلك المخطط وسيلة لبلوغ مراده إلا بهذا البلاء: الفتنة الطائفية.
وسأكون صريحاً إلي أبعد المدي في معالجة هذا الأمر، الذي لا يحتمل المواربة أو المجاملة.
أقول إن الأغلبية في أي بلد - سواء في ذلك الأغلبية الدينية أو الأغلبية الإثنية - هي التي تتحمل الوزر الأكبر، إذا حدث تصدع في كيان ذلك البلد. والحمد لله أن مصر لا توجد فيها أقليات «إثنية - عرقية» - مما يعاني منه كثير من البلاد - مصر كلها عرق واحد وجنس واحد، لا يستطيع أحد أن يدعي أن يميز بين مسلم وقبطي، كما لا يستطيع أن يميز بين منوفي أو قليوبي.
والغالبية في مصر من الناحية الدينية، هي غالبية مسلمة، ومن ثم فإن هذه الغالبية في تقديري - وسأحاول التدليل علي ذلك - هي التي تتحمل المسؤولية الكبري في هذا الأمر.
أنا لا أنفي كل مسؤولية عن بعض الإخوة الأقباط، خاصة أولئك الذين يعيشون في المهجر وبعض المتطرفين في الداخل، ولكن مع ذلك، وبالرغم منه، فإن الغالبية المسلمة هي التي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذا الأمر الجلل.
وسأبدأ بالأمور البسيطة - ولكن التي قد تؤثر في الأجواء المشحونة - ثم أصعد إلي ما أتصور أنه جذر المشكلة.
لاحظ وأنت تسير في شوارع القاهرة، سواء كنت راجلاً أو راكباً، الأصوات المنبعثة من مذياع السيارات التي تمر إلي جوارك. أغلبها يذيع القرآن بصوت مرتفع، لا يكتفي بأن يصل إلي راكبي السيارة، وإنما يملأ الدنيا حولها.. لماذا؟ هل هذا نوع من التقرب إلي الله، أم هو في الحقيقة نوع من الضوضاء التي تنفر الإنسان المتدين حقيقة من هذه الأصوات العالية التي تبدو أحياناً كثيرة منكرة؟!
وتبدو هذه الأصوات منفرة، بل ومنكرة حين تختلط ببعضها، فلا تستطيع أن تستبين منها شيئاً. هذا يقرأ في سورة البقرة وآخر يقرأ في سورة الرعد، وثالث في سورة الإسراء. وتتداخل الأصوات العالية، وينتهي الأمر بألا تسمع شيئاً من هذا القرآن الجميل، وإنما تجد نفسك وسط نوع من التلوث السمعي الكريه.
هذه واحدة تبدو بسيطة، ولكنها في أجواء الاحتقان، قد تكون ذات دلالة. تلك المآذن التي تشرع الميكروفونات، وتوجهها إلي كل مظان الأرض، وبعضها «يصرخ» بالأذان، وقد يكون ذلك في هدأة الليل عند الفجر، حيث ينتظر الإنسان صوتاً خاشعاً خفيضاً مؤثراً، ولا ينتظر ذلك الصياح الذي يشق عنان السماء ويصك الآذان.
كان الرسول صلوات الله عليه، يقول «أرحنا بها يا بلال»، أي بقولة «الله أكبر» في بدء الأذان، فهل هذا الصراخ الذي نسمعه في كثير في مآذننا - ولا أقول كلها - يريح النفوس أو يريح القلوب؟ ما أظن ذلك.
وإذا كان هذا الذي ذكرته من الأمور البسيطة، ولكن التي قد تكون مؤثرة في فترات الاحتقان، فإن هناك ما هو أهم من ذلك كثيراً.
هناك الفضائيات، وهناك المؤسسات الدينية، وهناك معاهد العلم، وهناك المدرسون في المعاهد، وهناك أئمة المساجد ووعاظها.. هل يتصور أحد أن هناك أكثر من فضائية، تبث علي الناس، ولا يظهر فيها إلا وجوه عليها غضب - والعياذ بالله - ولا تعرف إلا النذير والشر المستطير وعذاب القبر والثعبان الأقرع؟ وكأن الله جل جلاله واسع المغفرة الرحمن الرحيم، لا يعرف إلا العذاب والانتقام ونار جهنم.
من قال إن هذا هو الإسلام؟
الإسلام دين الرحمة والتسامح، والذي يقول كتابه العظيم: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم» (البقرة - ٦٢) هل يتصور أن هذا الإسلام هو نفسه إسلام أصحاب الثعبان الأقرع في القبور.. أعوذ بالله.
ويجري هذا المجري ما يحدث أحياناً في بعض المدارس، وما يقوله بعض أدعياء المدرسين، إلي المدي الذي يجعل بعض الأطفال الصغار يتساءلون: هل يجوز أن ألعب مع زميل مسيحي أو أن أسلم عليه؟!.. إلي هذا المدي من التخلف وصل الأمر في بعض مدارسنا، فهل هذا معقول؟!
لقد فزعت عندما سمعت ما حدث بالنسبة لدير «أبوفانا» في المنيا، وعجبت من أن هذا المكان المقدس، ليس عليه من حراسة شرطة الدولة ما يستحقه ويحميه.
ألا يكفي هذا المكان التاريخي، أن الأسرة المقدسة آوت إليه في لحظة من لحظات التاريخ التي اختص الله بها مصر.
ألا يعرف المسلمون أن السيدة العذراء، وصفها القرآن وصفاً لم يسبقه إليه، ولم يصل إليه كتاب مقدس آخر «..يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك علي نساء العالمين» (آل عمران - ٤٢).
إنني مسلم مؤمن بالله، وبكتبه ورسله، وأعترف بأنني سعيت في أنحاء مصر، لكي أتتبع مسيرة الأسرة المقدسة في هجرتها إلي مصر، وأنني كنت أحس في كل خطوة أن نوراً كبيراً يضيء في قلبي.
وعندي «فيلم» يصور هذه الرحلة المباركة، أجد سعادة في أن أراه بين الحين والحين.
إن واجب الدولة الذي لا تسامح فيه، أن تنقذ هذا المكان المقدس، وأن تحيطه بما يستحقه من تبجيل وتكريم وحماية.
ونصعد بعد ذلك إلي ما أظن أنه جذر المشكلة، ألا وهو صورة الحياة السياسية العامة، التي نعيش فيها جميعاً، مسلمين ومسيحيين.
نعيش في ظل نظام سياسي، يؤمن بضرورة الاستئثار بكل شيء وإقصاء الناس جميعاً عن كل شيء. نظام لا يقيم وزناً لمن أحسن أو من أساء، وإنما الوزن كل الوزن عنده لمن معه ومن ليس معه. من معي يباح له كل شيء، ومن ليس معي يحرم من كل شيء.
هذه الصورة التي لا تعرف الآخر، ولا تعرف قدر الإنسان لأنه إنسان كرمه الله وكرمته بشريته، تكرس معاني التعصب والتطرف.
لقد كررت أكثر من مرة أن مصر تحتاج إلي كتائب من التنوير، تخاطب العقول وترفع مستواها وتخلصها من دياجير الظلام والتخلف وضيق الأفق.
أما بعض الإخوة من أقباط المهجر، فإنني أقول لهم اتقوا الله في مصر، فإن مصر لم تقدم لكم إلا الخير، وأقول لهم لا تنساقوا وراء مخططات تُرسم لكم وتريد أن تقصم ظهر مصر، وتجعلها فرقاً وشيعاً، تمهيداً لفرض المخططات التي يريدها أعداء مصر وأعداء المسيحية والإسلام، بل أعداء البشرية كلها.

ليست هناك تعليقات: